حسن الأمين
82
مستدركات أعيان الشيعة
درس في النجف الأشرف وسامراء وعاد إلى خمين ، التزم رعاية المسلمين فيها وفي ضواحيها . وبعد ولادة ابنه روح الله بأربعة أشهر و 22 يوما أي في يوم 12 ذي القعدة سنة 1320 هاغتيل وهو في طريقه من خمين إلى أراك . ثم نقل جثمانه إلى النجف الأشرف حيث دفن فيها وكان له ثلاثة أبناء وثلاث بنات . وأبناؤه هم : 1 - السيد مرتضى ( المعروف بسنديدة ) من العلماء وسكن مدينة قم . 2 - السيد نور الدين ، وكان يسكن طهران . 3 - السيد روح الله وهو أصغر أولاد أبيه . في طريق العلم كان شغوفا منذ طفولته باكتساب العلم والحكمة ، بدأ الدراسة لدى معلم اسمه « الميرزا محمود » وهو لم يزل طفلا صغيرا . وكان هذا المعلم يأتي إلى المنزل ليعلم هذا الطفل الذكي دروسا في القراءة والكتابة ، ثم واصل التعلم لدى معلم آخر اسمه « الملا أبو القاسم » وذهب بعدئذ إلى مدرسة حديثة لتعلم الكتابة . وفي أوائل بلوغه ، فقد أمه بعد أن توفيت عمته التي كانت تربيه ، وبذلك ظللت سحابة كئيبة وجهه الذي لم يمض من عمره سوى ستة عشر عاما وأصبحت حياته محفوفة بالمخاطر بين مخالب الوحدة والغربة ، ويتم الأبوين وفراق الأحبة . . ولكن لم تستطع هذه الأحزان والهموم أن تحطم روحه العالية فبقي صامدا قويا لا ينحني أمام الأحداث واستمر متوكلا على الله ومعتمدا على نفسه في مواجهة المصير الغامض المحتم . تلقى بعض مقدمات العلوم الإسلامية لدى أخيه السيد مرتضى ، ثم توجه سنة 1339 إلى مدينة أراك حيث كانت الحوزة العلمية في أراك وقتئذ تحت زعامة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ودرس هناك آداب اللغة العربية ( البلاغة والنحو والصرف ) والمنطق . وفي عام 1340 انتقل إلى مدينة قم حيث نقل الشيخ الحائري الحوزة العلمية إليها . واستمر بكل جد واجتهاد في مدارس قم حتى انتهى من مرحلة « السطوح » في الحوزة لدى أستاذه السيد علي اليثربي الكاشاني وبدأ بعدئذ الفصل الأخير من الدراسة الاستدلالية العالية في محضر الأستاذ الأكبر الحائري حتى بلغ درجة الاجتهاد . وفي سنة 1355 توفي أستاذه الحائري في حين كان هو يعد من المجتهدين والعلماء الكبار . وامتاز الامام عن غيره من العلماء بتخصصه في علوم كثيرة ، فقد جمع المعقول والمنقول وسبق غيره في الفقه والأصول . ولاحاطته الواسعة في العلوم العقلية وتحقيقاته في الفلسفة الإلهية ، كان الأستاذ الأول في الفلسفة - على الإطلاق - في الحوزة العلمية بمدينة قم وكان المجيب الأول على الشبهات العقلية والإشكالات والاعتراضات التي كان المنحرفون يعترضون بها على الإسلام . ولقد انتشرت في زمانه بعض الكتب السفسطائية منها كتاب بالفارسية اسمه « أسرار هزار سأله » أي أسرار ألف سنة . وكانت الإشكالات مربوطة بالمسائل الفلسفية . وفي مقام رد الكتاب ، رجع اليه العلماء فبدأ بتأليف كتاب قيم أسماه « كشف الأسرار » . التدريس بدأ تدريس خارج الفقه والأصول سنة 1364 وهو في الرابعة والأربعين من عمره ، وكان تدريسه مصادفا لورود السيد البروجردي إلى مدينة قم . وكان يمتاز بتعرضه أثناء الدرس للاشكالات الواردة ، قبل أن يسبقه بها غيره من الطلبة ، كما يمتاز بالشرح المبسوط الوافي وعدم خلطه دروس الأصول بالفلسفة بالرغم من احاطته الواسعة بهذا العلم . ويمتاز أيضا بعدم تقليده أسلافه في تكرار نظريات القدماء وابداعه في التحقيق مع ما كان من تقديره للفقهاء الماضين وذكرهم بكل إجلال وإكبار . اما تدريسه الفلسفة والعلوم العقلية فكان قبل زواجه أي قبل عام 1348 وهو يسكن مدرسة « دار الشفاء » يومئذ ، ولم يمض من عمره أكثر من ثلاثين عاما حيث كان يعد من الأساتذة الكبار والمتخصصين في الفلسفة والحكمة الإلهية ، وكانت حوزة درسه مقصورة على العلماء والأفاضل ، وكان يهمه كثيرا أن ينتخب طلابه في هذه الدروس من خيرة الطلاب وأكثرهم ايمانا وذكاء ويمتحنهم بين الحين والآخر تحريريا وشفويا ليصفي مجلس درسه من غير أهله . وبعد فترة من تدريس « الفلسفة » ، بدأ بتدريس « العرفان » سرا لنخبة خالصة من الطلاب المعتمدين لديه ، ثم حقد جلسة أسبوعية ليدرس فيها علم « الأخلاق » . ورغم معارضة حكومة رضا بهلوي لمثل هذه الجلسات ، لم يبال بذلك ، بل ازداد صلابة وعزما في مسيرته حيث اشتهرت هذه الجلسة واشتدت علاقة الفضلاء والطلاب وحتى عامة الناس بها وتوسعت تدريجيا لتستوعب مئات العلماء والفضلاء والموظفين والتجار والعمال الذين كانوا يأتون إليها من « قم » و « طهران » وكان مقره في « المدرسة الفيضية » . وبهذا الإقبال الشديد على الجلسة ، اضطر إلى إقامتها مرتين أسبوعيا ( يومي الخميس والجمعة ) حتى تستطيع كل طبقات الشعب ، الاستفادة منها . فأرسل البهلوي يطلب منه تعطيل الجلسة فورا فأجاب الامام بالحرف الواحد : « أنا ملزم بإقامة هذه الجلسة باي نحو كان . لتأت الشرطة وتمنع إقامتها » . وبعد ان لاحظت الحكومة مدى صلابته ومدى تعاطف الشعب معه ، امتنعت عن التدخل المباشر إلا انها زادت في القسوة والعنف بطرق غير مباشرة فاضطر إلى نقل الجلسة من المدرسة الفيضية إلى مدرسة الحاج ملا صادق في وضع أكثر محدودية . وبعد سقوط البهلوي انتقلت الجلسة مرة أخرى إلى المدرسة الفيضية . المرجعية بعد وفاة السيد البروجردي ، اجتمع حوله كثير من رواد العلم والفضيلة من مريديه وعارفي فضله يطلبون منه بإلحاح طبع الرسالة العملية ، فامتنع عن ذلك ، وطبع حاشيته على وسيلة النجاة للسيد أبو الحسن الأصفهاني ثم حاشيته على العروة الوثقى . وبعد وفاة السيد الحكيم عاد اليه الكثيرون ، وبرز بعد زمان وجيز ، حتى استطاع أن يطوي سجل أقدم إمبراطورية شهدها التاريخ ، إذ تمتد جذورها إلى قرابة ألفين وخمسمائة عام ، واستطاع أن يقود ثورة ويدير جمهورية . حياته الثورية كان الامام الخميني طيلة حياته ثورة مشتعلة ضد الظلم والفساد والجور ، مما أدى إلى سجنه مدة ثمانية أشهر في سجون إيران خلافا لنص